الشيخ الطبرسي
56
تفسير جوامع الجامع
إنما هو لقصد الاختصاص ، والمعنى : نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة . والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه وكيفيته ، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ولذلك لا تحسن إلا لله سبحانه الذي هو مولى أعظم النعم ، فهو حقيق بغاية الشكر . وإنما عدل فيه عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب على عادة العرب في تفننهم في محاوراتهم ، ويسمى هذا التفاتا ، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم كقوله سبحانه : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه ) * ( 2 ) . وأما الفائدة المختصة به في هذا الموضع فهو أن المعبود الحقيق بالحمد والثناء لما أجري عليه صفاته العلى تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالعبادة والاستعانة به في المهمات ، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات ، وقيل : إياك - يامن هذه صفاته - نخص بالعبادة والاستعانة ، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه ، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك المتميز ( 3 ) الذي لا تحق العبادة إلا له ( 4 ) . سورة الفاتحة / 6 و 7 وقرنت الاستعانة بالعبادة ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته ، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة يكون قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها ، وأطلقت الاستعانة ليتناول كل مستعان فيه . والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ، فيكون قوله : * ( اهدنا ) * بيانا للمطلوب من المعونة ، كأنه قيل : كيف أعينكم ؟ فقالوا :
--> ( 1 ) يونس : 22 . ( 2 ) فاطر : 9 . ( 3 ) في بعض النسخ : التميز . ( 4 ) قاله الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 14 .